ابن قيم الجوزية

652

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

نازع الناس أموالهم ، وطلبها منهم : أوحش شيء إليهم وأبغضه . وأيضا : فالزاهدون فيها : إنما ينظرون إليها بالبصائر . والراغبون : ينظرون إليها بالأبصار . فيستوحش الزاهد مما يأنس به الراغب . كما قيل : وإذا أفاق القلب واندمل الهوى * رأت القلوب ، ولم تر الأبصار وكذلك هذه الهمة تحمله على الرغبة في الباقي لذاته . وهو الحق سبحانه . والباقي بإبقائه : هو الدار الآخرة . « وتصفيه من كدر التواني » أي تخلصه وتمحصه من أوساخ الفتور والتواني ، الذي هو سبب الإضاعة والتفريط . واللّه أعلم . قال : « الدرجة الثانية : همة تورث أنفة من المبالاة بالعلل ، والنزول على العمل والثقة بالأمل » . « العلل » هاهنا : هي علل الأعمال من رؤيتها ، أو رؤية ثمراتها وإرادتها . ونحو ذلك . فإنها عندهم علل . فصاحب هذه الهمة : يأنف على همته ، وقلبه من أن يبالي بالعلل . فإن همته فوق ذلك . فمبالاته بها ، وفكرته فيها : نزول من الهمة . وعدم هذه المبالاة : إما لأن العلل لم تحصل له . لأن علو همته حال بينه وبينها . فلا يبالي بما لم يحصل له . وإما لأن همته وسعت مطلوبه ، وعلوه يأتي على تلك العلل ، ويستأصلها . فإنه إذا علق همته بما هو أعلى منها تضمنتها الهمة العالية . فاندرج حكمها في حكم الهمة العالية . وهذا موضع غريب عزيز جدا . وما أدري قصده الشيخ أو لا ؟ . وأما أنفته من النزول على العمل : فكلام يحتاج إلى تقييد وتبيين . وهو أن العالي الهمة مطلبه فوق مطلب العمال والعباد « 1 » . وأعلى منه . فهو يأنف أن ينزل من سماء مطلبه العالي ، إلى مجرد العمل والعبادة ، دون السفر بالقلب إلى اللّه ، ليحصل له ويفوز به . فإنه طالب لربه تعالى طلبا تاما بكل معنى واعتبار في عمله ، وعبادته ومناجاته ، ونومه ويقظته ، وحركته وسكونه ، وعزلته وخلطته ، وسائر أحواله . فقد انصبغ قلبه بالتوجه إلى اللّه تعالى أيّما صبغة . وهذا الأمر إنما يكون لأهل المحبة الصادقة . فهم لا يقنعون بمجرد رسوم الأعمال ، ولا بالاقتصار على الطلب حال العمل فقط . وأما أنفته من الثقة بالأمل : فإن الثقة توجب الفتور والتواني . وصاحب هذه الهمة : ليس من أهل ذلك ، كيف ؟ وهو طائر لا سائر . واللّه أعلم . قال : « الدرجة الثالثة : همة تتصاعد عن الأحوال والمعاملات . وتزري بالأعواض والدرجات . وتنحو عن النعوت نحو الذات » .

--> ( 1 ) وهل فوق العبادة - التي هي أصدق الحب في أخلص الذل - مطلب ، إلا الوهم والخيال ، أو شيء آخر . مثلما يطلبه العبد من الإنس بزوجه وصديقه ولذلك يريد أن ينحو نحو الذات العلية . وسبحان ربنا عن ذلك علوا كبيرا .